محمد بن عبد الله الصفار
153
رحلة الصفار إلى فرنسا
وتزوج بها . وفي هذا النهر داخل هذه المدينة ما لا يحصى من المراكب والبابورات والفلائك . وعلى حاشيتية أسواق وحوانيت مزخرفة بالسلع والأشياء الرفيعة ، وحوانيت اللحم والخبز والفواكه والخضر وغير ذلك . وعليه بداخل البلد القناطر الضخام المشيدة على الأقواس والأعمدة العظام . وكل هذه القناطر عليها صفوف من الفنارات من الزجاج الصافي تضيء باليل على الطريق والمول « 1 » . وكذلك سائر طرقها وحوانيتها يكون لها باليل منظر عجيب . وبها الكثير من العساكر والجيوش ، وديارهم وهي من جملة إيالات فرانسا حاكمة على غيرها ، بها جلنار العسكر وكبير البلد الذي يسمونهم بلسانهم البريفي « 2 » كما تقدم في مرسيليا . وبها كثير من ديار الصنائع التي يسمونها الفبريكات « 3 » ، حتى أن جل حيطانها سود من دخان ديار الصنائع ، وغالب من يخدم في هذه الصنائع بهذه المدينة وغيرها النساء ، فعلين العمدة في ذلك . وأهلها جادون كل الجد في البناء بداخلها وزيادة العمارة بأطرافها ، حيت انتهى البناء المتصل . فبها قناطر جدد وطرق الحديد « 4 » ، توصل منها لغيرها ومن غيرها لها . وهذه المدينة يكثر القصد إليها بالأسفار والسلع ، إذ هي من أعمدة بلاد فرانسا لما اختصت به من الصانع والفبريكات التي لا توجد أو هي قليلة في غيرها من بلادهم . وبناؤها أتقن وأحكم من بناء مرسيليا ، وبخارجها عمران متزاحمة جدا حتى كادت أن تكون كلها مدينة واحدة . ولم نر هذه المدينة كغيرها من المدن التي في طريقنا هذه إلا بالمرور عليها ، ولم يكن لنا استقرار في شيء منها ، فلذلك نقصر في وصفها . ثم انفصلنا عن المدينة وأحوازها في طريق بين الجبال وعلى رءوسها ، لاكن تمر عليها الكراريص بسهولة عهدك بنفسك في البطحاء والجبل أمامك حتى تجد نفسك على رأسه ، وذلك لبسطهم الطرق وتدييرها مع الجبال ، وإعلاء ما كان منها منحذرا والنقص مما كان منها عقبة ، حتى تصير كأنها كلها وطاء ، ولا تحس بالعقبة إلا في
--> ( 1 ) من الفرنسية ( Mo ? le ) ، أي رصيف المرسى ( المعرب ) . ( 2 ) ويقابلها بالفرنسية ( Le pre ? fet ) . ( 3 ) ويقابلها بالفرنسية ( fabriques ) . ( 4 ) ويعني بها السكة الحديدية التي سيأتي الحيث عنها بالتفصيل .